السيد الطباطبائي
140
الإنسان والعقيدة
مِنَ الْخاسِرِينَ « 1 » . وسياق الآيات واردة في أهل النّار ، فشهادة الجوارح مخصوصة بهم ، وهي من الشواهد على شمول خطابات الفروع لغير المؤمنين . وقوله تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ وجه تخصيصهم السؤال بالجلود دون الجميع ، إنّ السمع والبصر أرفع عن المادة ، وأقرب إلى الحياة والفهم بخلاف الجلود ، وهي الفروج وما يتلوها في الحكم ، فهي أوغل في المادة ، وشهادتها أعجب وأقطع . وقوله تعالى : قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ . جوابها لهم ، وقد عدلوا عن الشهادة إلى النطق ، ثمّ إلى الانطاق إشعارا بأنّ الأمر إلى اللّه لا إليهم ، فلا وجه لعتابهم له بوضعهم موضع المستقلّ التامّ الاختيار في أمرهم بعد ما كان نطق كلّ شيء منه سبحانه وليس لشيء من الأمر شيء ، ولذا أردف ذلك بقوله : وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، فالبدء والعود كلاهما له سبحانه ، وهو القائم على كلّ نفس ، فليس سبحانه غائبا عن شيء بل هو الرقيب ، وإنّما يرقب الشيء بالشيء ، ويحتجب بالشيء عن الشيء ، ولذا أردفه سبحانه بقوله : وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ كأنّه يقول : ما كنتم تحتجبون عن شهادة الجوارح ، لا لأنّكم لا تحذرون منها ، ومن نتيجة شهادتها ، ولكن ظننتم استقلال الأشياء وغيبة الحقّ سبحانه عنها ، وأنّ كلّ واحد منها منفصل عن الحقّ ، ليس مرصادا له سبحانه ، فظننتم أنّه لا يعلم كثيرا ممّا تعملون . وهذه هي الغفلة عن الحقّ سبحانه ، وأنّه على كلّ شيء شهيد ، وأنّ كلّ ما يحضر عند شيء أو يعلمه شيء فهو حاضر عنده بعينه معلوم له بعينه : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ . واعلم أنّ هذا الأصل ، وهو أنّ علم الوسائط وقدرتها وسائر كمالاتها بعينها له سبحانه ، كثير الفروع في القرآن ، كقوله سبحانه : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ
--> ( 1 ) سورة فصّلت : الآيات 19 - 23 .